RSS
 

الارشيف لـ ‘موسوعة بن جبري’

أهمية القراءة

09 يونيو

الحمد لله وبعد

ونحن نتكلم عن الثقافة وتثقيف الإنسان لنفسه ,فإن القراءة تبرز لنا كأهم عامل من عوامل التثقيف والإرتقاء الثقافي ,حيث أن القراءة من أهم العوامل التي تدفع بالإنسان إلي التزود من العلم والمعرفة ورفع منسوبه الثقافي.

ونحن المسلمون نعتبر أن هذه الحقيقة بدهية لأن ديننا قد أرشدنا لذلك,فعندما أراد الله للإسلام أن ينطلق في دنيا الناس , أشار إلى أهمية القراءة فكانت أول آية نزلت “إقرأباسم ربك الذي خلق……” وأكد ذلك بتكرار القراءة لتبيين أهمية,كونها من أكبر الروافد التي تعين الأمة على نهضتها وتقدمها .

وأكد النبي صلى الله عليه وسلم على أهمية القراءة عندما جعل فداء اسرى بدر ,بأن يعلموا المسلمين القراءة والكتابة .

وأما السلف على امتداد تاريخهم فقد ضربوا لنا أروع الأمثلة على أهمية القراءة,فعندما كان عهد الرشيد بلغ المسلمون أوج حضارتهم وسمي عصره, بالعصر الذهبي لأن المسلمين كانوا في قمة حضارتهم ,فكانت بغداد مهد الحضارات ومهوى العلماء وقبلة الطموحيين .

كانت عدد سكان بغداد مليونان من الناس ,قبل ألف وثلاث مئة عام ,حين كانت باريس قرية صغيرة لا مكان لها في الخارطة ,وعندما كانت إمريكا صحراء لا يعيش فيها إلا الوحوش ….. وكانت فيها القصور التي تفتن بصحونها وأبهاتها ,وزخارفها ونقوشها ,وشرفاتها وقبابها , وفيها البساتين التي جمعت غرائب الاشجار ونوادر الأزهار,وفيها ستة الاف حمام ,في الوقت الذي كانت أوربا لا تعرف الحمامات ولا النظافة , وفيها عشرون ألف مسجد ,ومجالس العلماء والادباء والشعراء والفلاسفة والفلكيين والكميائيين والزهاد والوعاظ والفقهاء,وفيها معامل {مصانع} الزجاج والورق ,وتضرب النقود وتنسج أنواع النسيج ,وتطرز وتنقش ,وفيها الإختراعات التي أدهشت أهل أوربا لما حملها وفود الرشيد إلى شارلمان,حتي ظنوا أن في الساعة جنيا يقرع الجرس.

وأما القراءة عند سلفنا فكان شيئا مدهشا ,فهذا ابن الجوزي قرأ في صغره وقبل أن يكون عالما , عشرين ألف كتاب , وعندما أحرقت مكتبة ابن حزم قال إن تحرقوا كتبي فهي في صدري محفوظة ,ومكث النووي ثلاث سنوات لاينام إلا جالسا حرصا منه على قضاء وقته في المطالعة,وبقايا البري الذي تركت من بري أقلام ابن الجوزي, جمعت فأوقد عليها النار لتسخين ماء غسله عند موته

وأبوحاتم كان يقرأكل وقته فإذا دخل الخلاء أمر ولده ليقرأ له ,وعندما مات كان وهو في سكرات الموت يأمر طلابه أن يقروا له حتى قبضت روحه ,وعند حضرت أبو حنيفة سكرات الموت كان هو وطلابه يناقشون بعض مسائل الحج حتى خرجت روحه,وقيل أن العقاد قرأ أكثر من ستين ألف كتاب ,وصور الإهتمام بالقراءة عند العلماء والسلف كثيرة تند عن الحصر.

إذا فالقراءة فن, من داوم عليها عشقها ,كما قال الزمخشري:

سهري لتنقيح العلوم الذ لي *** من وصل غانية وطيب عناقي

إلى آخر الأبيات الرائعة,وعندما خفت الشعور بأهمية القراءة عند المسلمين ,وارتفعت أهميته عند غيرنا ,فمن الطبيعي أن يكون هذا واقعنا ,وهذا واقعهم .

واقعنا تخلف وسير في ذيل الحضارات , وواقعهم تقدم وقيادة العالم,وقد أجريت إحصائية عن معدل القراءة عند المسلمين ,وأوربا ,واليابان ,وقد أجريت الاحصائية على المواطنين العاديين لا على النجب المثقفة , فكان نتيجة الاحصاء

إن متوسط قراءة الإنسان الياباني العادي في السنة 44 كتابا , في حين أن متوسط قراءة الإنسان الأوربي في السنة 25 كتابا, وأن متوسط قراءة الإنسان العربي ربع كتاب في السنة .

وبغض النظر عن دقة الاحصائية إلا أنها تكشف الحالة المزرية التي عليها أمتنا ,فينبغي الإهتمام بالقراءة وتخصيص جزءا من وقتنا لها وعدم الإستغناء عنها واستبدالها بغيرها .

ولاينبغي أن يمر يوم من غير قراءة , فينبغي قراءة حتى ولو عشرين صفحة, حتى يعتاد الانسان على القراءة, يجعلها من أهم روافده المعرفية

خاص لموقع بن جبري نت
أ/ إبراهيم الجبلي
امام وخطيب جامع الهدى بقطر

 

الأمانة مكانتها و أثرها فى المجتمع

13 مايو

الخطبة الأولى :

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا .. من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ (102 سورة آل عمران) ، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1 سورة النساء) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً (70 سورة الأحزاب) .

أما بعد .. فياأيها الناس : ما مِنَّا مِن أحدٍ إلا وقلبه مشرئبٌّ إلى الفلاح وبلوغه ، وإنه ما غاب قلبٌ عن هذا الاستشراف إلا حُكِم عليه بالمرض إن لم يكن قُضِي عليه بموت القلب ..
فمن هو العاقل الذي يرى فلاحه يمنةً ثم هو يسلك ذات شمال ؟! ومن هو هذا الذي لم يفلح أو يحدِّث نفسه بالفلاح ؟! فإما أن يكون جاهلًا لم يفقه أو مريضًا لم ينْقه ، وكلا الأمرين .. أو وكلا الأمَّرين علقم .
إن مطلب الفلاح أمرٌ فطريٌّ غريزي جاءت به الشريعة الإسلامية الغرَّاء مؤيدةً له حاضَّةً عليه محرِّضةً على تحصيله تحصيلًا حثيثا ، وجعلت الفلاح مشارب ومراكب .. كلٌّ يورد ويُصدر على ما وهبه الله من الهمة والحرص والأمل .

بيد أن من أهم أنواع الفلاح ما كان سببه متعديًّا لا قاصرا شاملًا لا مبعِّضا مسهِبًا لا مطنِبا ، وإذا أردنا الوصول إلى أمْيز طُرق الفلاح وأعظمها وأوسعها نفعا فإنه طريق الأمانة التي عرضها الله على السموات والأرض والجبال فأبيْن أن يحملْنَها وأشفقن منها وحملها الإنسان .. إنه كان ظلومًا جهولا .

إنها الأمانة العظمى عباد الله .. نعم الأمانة بمفهومها الواسع الذي أرادها الله لها وأرادها رسوله – صلى الله عليه وسلم – وهي ضد الخيانة بمفهومها الواسع الذي نهى الله ورسوله عنها ؛ لتكون الأمانة في كل ما افترض الله على العباد في الدين والأعراض والأموال والعقول والأنفس والمعارف والعلوم والولاية والحكم والشهادة والقضاء والأسرار والحواس الخمس ونحو ذلك .. فهي كما قال القرطبي – رحمه الله – : ” تعم جميع وظائف الدين ” .

ثم إنه لا يمكن أن يكون الأمين أمينًا إلا إذا كان عافًّا عمَّا ليس له به حق .. مؤدِّيا ما يجب عليه من حقٍّ لغيره .. حريصًا على حفظ ما استُؤمِن عليه غير مفرِّطٍ به ..
فإن من اجتمعت فيه هذه الركائز فهو في دائرة المفلحين الذين قال الله – جل وعلا – عنهم : قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1 سورة المؤمنون) .. إلى أن قال : وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (7 سورة المؤمنون) .

الأمانة – عباد الله – لم تكن بدْعًا من التشريع الإسلامي المحمدي فحسب ، بل هي من أبرز أخلاق الرسل والأنبياء – عليهم أفضل الصلاة والسلام – فهذا نوحٌ وهودٌ وصالح ولوطٌ وشعيب .. كل واحدٍ منهم قد قال لقومه : إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (162 سورة الشعراء) ، ورسولنا – صلى الله عليه وسلم – ما كان يُعْرَف في قومه إلا بالصادق الأمين ، وقد جعل الباري – جل شأنه – هذه الصفة للروح الأمين جبريل – عليه السلام – في قوله : نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193 سورة الشعراء) .

لقد قصرت أفهام الكثيرين عن معنى الأمانة فحصروها في حفظ الودائع المالية والمادية فحسب ، وضيقوا بهذا الفهم واسعا .. في حين إنها ليست إلا لونًا من ألوان الأمانة التي تتعدد وتتجدد .. فالقيام بالواجب أمانة ، وترك المنهي أمانة ، والأمر بالمعروف أمانة ، والنهي عن المنكر أمانة ، والحكم أمانة ، ورعاية حقوق الأمة أمانة ، والعلم أمانة ، وحماية الدين والذب عن حياضه أمانه ، وصيانة أرض الوطن المسلم وحماية ممتلكات المجتمع أمانة ..

فكل أمانةٍ من هذه الأمانات تتحقق بإقامة مصلحتها ودرأ مفسدتها وعدم خذلان الأمة فيها : إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (107 سورة النساء) .

وإذا نظرنا إلى كلمة الأمانة – عباد الله – فإننا سنجد فيها معنى الأمان والاطمئنان .. فكأن الأمن والطمأنينة والراحة والاستقرار مرهونةٌ كلها بتحقيق الأمانة على وجهها الصحيح .. فلا يمكن أن يأمن ظالمٌ ولا يهدأ عاص ولا يسعد خوَّان ولا يفلح منافق ولا يصل متلفت ..

وفي حين أن القرآن الكريم قد ذُكِرت فيه الأمانة في مواضع كثيرة فإنه في الوقت نفسه قد جاء التحذير من ضدها .. وهي (الخيانة) .. فقال الله – جل شأنه – : (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ )) (27 سورة الأنفال) ، وقال سبحانه : (( وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ )) (52 يوسف) .

وكفى بالخيانة شرًّا وقبحًا ومقتًا أنها سببٌ في دخول جهنم وبئس المصير من خلال ما ضرب الله لنا مثلًا بامرأتين من نساء الأنبياء والرسل ، و ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (10 سورة التحريم) .. أي خانتاهما في الدين ، وكانتا تدلان أقوامهما بمن يؤمن مع أزواجهما .

إنها النار .. إنها النار يامَنْ خنُت الأمانة .. إنه العذاب الأليم يامَنْ خنت ربك وخنت ولي أمرك وخنت أمتك وخنت نفسك التي بين جنبيك ..
لقد سمى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – الوظائف أمانات ، وطلب من ذوي القوى الإحسان فيها والتيقظ لها ، ونصح الضعفاء عن طلبها والتعرض لها .. فقد سأله أبو ذر – رضي الله عنه – أن يستعمله فضرب بيده على منكبه وقال : ” يا أبا ذر إنك ضعيف .. وإنها أمانة ، وإنها يوم القيامة خزيٌ وندامة إلا من أخذها بحقها وأدّى الذي عليه فيها ” رواه مسلم .

ومن هذا الحديث – عباد الله – نستطيع أن نبعث رسالةً إلى كل من تطلعت نفسه واشرأبت إلى أن تتولى مصلحة من مصالح المسلمين دون استحضار القدرة عليها والشعور بقيمتها وعظم المسئولية والتبعة فيها ..
والقوة – عباد الله – في هذا الحديث هي التي تعني حسن الإدارة الموصوفة بالحزم والحكمة والإجادة ؛ إذ لا أحد يشك في إيمان أبي ذر – رضي الله عنه – وتقواه .. ومع ذلك وصفه النبي – صلى الله عليه وسلم – بأنه ضعيف ..
والضعف عيبٌ في تحمل المسئولية ؛ ولذا فإننا نشاهد في كل عصرٍ ومصر من تُوكل إليه المسئولية وهو طيبٌ في نفسه ومؤمنٌ بربه وحسنٌ في عبادته ولكنه لا يفعل خيرًا في مسئوليته ولا يحجز شرّا .. هكذا سبهلالا ، وترى من تحت مسئوليته فوضى لا سراة لهم ..

فمثل هذا لم يدرك أن وظيفته عقدٌ بينه وبين ولي الأمر أو بين مؤسسةٍ للقيام بعمل محدودٍ مقابل عوضٍ مخصوص ، ومن فرَّط في أداء هذا الواجب فهو ممن لم ينفعه إيمانه في أداء واجبه ؛ إذ كيف يرضى المؤمن بالغش أو الخيانة أو التقصير فيما استأمنه عليه ولي الأمر من مصالح العباد وحاجاتهم ؛ لأن النبي – صلى الله عليه وسلم – يقول : ” لا إيمانَ لِمَنْ لا أمانةَ له ولا دينَ لمن لا عهد له” رواه أحمد وابن حبان .

ولذا فإن الوظائف – كبيرها وصغيرها – ليست وسيلةً للترفع أو الترفه .. إنما هي كيان دولةٍ وضمان مجتمع وحاضر أمة ومستقبلها ..
فمن ولاه ولي أمر المسلمين عملًا فضيع فيه فهو خائن . فهو خائن . فهو خائنٌ للأمانة ، ولولي الأمر وللمجتمع بأسره : …إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ )58 سورة الأنفال) ، وما هذه حال المؤمن الصادق الناصح لأن النبي – صلى الله عليه وسلم – يقول : “والمؤمنُ من أمنه الناس على دمائِهم وأموالهم “رواه الترمذي والنسائي .

ثم إن الخائن للأمانة لَيُعد من المنافقين النفاق العملي بنص النبي – صلى الله عليه وسلم – حيث قال : ” آيةُ المنافق ثلاث : إذا حدَّث كذب وإذا وعد أخْلف وإذا اؤتمن خان ” رواه البخاري ومسلم .

فالحذر الحذر – عباد الله – من انقلاب المفاهيم وعدم التمييز بين الخائن والأمين .. فما زمننا هذا إلا ميدانٌ ترامت فيه الأهواء وقُلِبت فيه الحقائق فسُتِر على الخائن وضُيِّق على الأمين بسبب مفاهيم مغلوطةٍ ومقدماتٍ مضللة ، ولقد صدق رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إذ قال : ” والذي نفْسي بيدِه .. لا تقومُ الساعةُ حتى يُخوَّنُ الأمين ويؤتمن الخائن…” الحديث رواه البخاري وسلم .

بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة ، ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والذكر والحكمة ..

قد قلت ما قلت إن صوابًا فمن الله وإن خطأ فمن نفسي ومن الشيطان ، وأستغفر الله إنه كان غفارا .

الخطبة الثانية :

الحمد لله وحده .. والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، وبعد ..
فاعلموا – يارعاكم الله – أنه ما اتصف أحدٌ بصفة الأمانة إلا كان الفلاح حاديه والسكينة والطمأنينة مطيته ، ولم يتفق العقلاء – قديماً وحديثاً .. رجالاً ونساءً .. كباراً وصغاراً – على استحسان خلةٍ كخلةِ الأمانة يتحلى بها المرء المسلم .. ألا ترون إلى ابنة شعيب – عليه السلام – حينما خاطبت أبيها عن موسى – عليه السلام – قائلة : يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ( القصص 26 ) .

ومن هذا المنطلق فإن صفة الأمانة صفةٌ مطلقة لا تخضع للنسبية والتعددية للفرد الواحد فلا يمكن أن يكون المرء خائناً أميناً في الوقت ذاته ، ولا يمكن أن تتطرق الخيانة إليه بوجهٍ من الوجوه حتى في مقام تحصيل حقه ومبادلة المثل بالمثل لأن النبي – صلى الله عليه وسلم – يقول : ” أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك ” رواه أبو دواد والترمذي .

ذلك – عباد الله – أن الخيانة لا تحتمل المحمدة البتة .. نعم قد يكون المكر في مقابل المكر والكيد في مقابل الكيد والخديعة في مقابل الخديعة .. فقال الله – جل وعلا – : إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ .. ( النساء 142 ) .
، وقال سبحانه : وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ .. ( الأنفال 30 ) ، وقال – جل وعلا – : إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً ( الطارق 15- 16 ) .

ولكنه في مقام الخيانة نزه نفسه العلية عنها فقال – جل وعلا – : وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُواْ اللّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ .. ( الأنفال 71 ) ، ولم يقل (فخانهم) .. تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا .

إن للأمانة – عباد الله – إن للأمانة من الدقة والأهمية ما يوضحها قوله – صلى الله عليه وسلم – : “إذا حدَّث الرجلُ الحديث ثم التفت فهي أمانة ” رواه أبو داود والترمذي ..
ومما يؤكد دقتها وخطورتها دعوة النبي – صلى الله عليه وسلم – ربه مستعيذاً به من ضدها حيث قال : ” اللهم إني أعوذُ بك من الجوعِ فإنه بئْس الضَّجِيع ، وأعُوذ بكَ من الخيانةِ فإنها بِئْستِ البِطانة ” رواه النسائي .

وبعد – يا رعاكم الله – فإننا نعيش في أعقاب الزمن الذي تبدلت فيه أخلاق الفطرة وآداب الشريعة وتخلف الكثيرون عن اللحاق بركبهما والسير على منهاجهما ؛ فاندرست بعض المعالم وانطمست حتى لم يدر البعض ما الأمانة وما الخيانة ، ولقد صدق المصطفى – صلى الله عليه وسلم – حيث قال : ” أولُ ما تفقِدُونَ من دينِكم الأمانة ، وآخرُ ما تفقدون الصَّلاة ” رواه الحاكم والبيهقي ..
وفي الصحيحين من حديث حذيفة – رضي الله عنه – عما يكون من الفتن في الناس .. فكان مما قال : “ويصبحُ النَّاسُ يتبَايعُون فلا يكادُ أحدُهم يؤدِّي الأمانةَ فيُقال : إنَّ في بني فلان رجلاً أميناً ” ..

فإذا كانت هذه الإرهاصات – عباد الله – هي ديدنَ الناس في بيعهم وشرائهم وعلمهم وحكمهم ودعوتهم وسائر شئونهم .. فإنهم بذلك يكبِّرون على الأمانة أربعاً لوفاتها في واقعهم وليهلُّوا عليها التراب بعد أن اغتالوها ، ليصدق فيهم قول النبي – صلى الله عليه وسلم – : ” إذا ضُيِّعتِ الأمانةُ فانتْظر الساعة ” ، قيل : كيف إضاعتها ؟ قال : ” إذا وُسِّد الأمرُ إلى غيرِ أهلِهِ فانْتظِرِ الساعة ” رواه البخاري .

هذا ، وصلُّوا وسلِّمُوا – رحمكم الله – على خير البرية وأزكى البشرية محمد بن عبد الله صاحب الحوض والشفاعة .. فقد أمركم الله بأمرٍ بدأ فيه بنفسه وثنَّى بملائكته المسبحة بقدسه وأيَّه بكُمْ أيها المؤمنون فقال – جل وعلا – : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ( الأحزاب 56 ) .
اللهم صلِّ وسلِّمْ وزِدْ وبارِكْ على عبدك ورسولك صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر ، وارْضَ اللهمَّ عن خلفائه الأربعة – أبي بكرٍ وعمر وعثمان وعلي – وعن سائر صحابة نبيِّك محمدٍ – صلى الله عليه وسلم – وعن التابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين ، وعنا معهم بعفوِك وجوْدك وكرَمِك ياأرحم الراحمين .

اللهم أعز الإسلام والمسلمين ، اللهم أعز الإسلام والمسلمين واخذل الشرك والمشركين ، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين .
اللهم فرِّجْ همَّ المهمومين من المسلمين ، ونفِّثْ كرْبَ المكروبين ، واقْضِ الدَّين عن المدينين ، واشف مرضانا ومرضى المسلمين برحمتك ياأرحم الراحمين .

اللهم إنَّا نعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضَّجِيع ، ونعوذ بك من الخيانة فإنها بئْستِ البطانة .
اللهم آمِنَّا في أوطاننا ، وأصْلِحْ أئمتنا وولاةَ أمورِنا ، واجعلْ ولايتَنا فيمَنْ خافك واتَّقاك واتَّبع رضَاك يارب العالمين .

اللهم وفِّقْ ولي أمرنا لما تحبه وترضاه من الأقوال والأعمال ياحيُّ ياقيوم ، اللهم أصْلِحْ له بطانته ياذا الجلال والإكرام .

ربنا آتِنا في الدُّنيا حسنة وفي الآخرةِ حسنة وقِنَا عذابَ النار . سبحان ربنا رب العزة عما يصفون ، وسلام على المرسلين ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

الشيخ / سعود الشريم

 

الشاب الحكيم

09 مايو

ذات ليلة جرى الحديث في مجلس ذكر عن الاختلاف وضراوته، خاصة بين المتعلمين والدعاة والمنتسبين للشريعة، حتى يتحول إلى قتال دام يفضي إلى فشل المشروع برمته في أكثر من بلد.
وهو مرشح للتفاقم والامتداد إذا لم تتوفر الأسباب لقمعه وتحجيمه.
وكان من الحلول المطروحة مسألة التربية والإعداد المسبق للناشئة على البصيرة والأدب والتوازن والفقه الواسع وإدراك الأولويات والحفاظ على الكليات والثوابت، ومنها العصم الشرعية المتمثلة بحفظ الدم والعرض والمال والنفس والأمن والمودة.
أورد أحد الإخوة قوله تعالى : (لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهِم رسولا من أنفسهِم يتلو عليهِم آياته ويزكيهِم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإِن كانوا من قَبل لفي ضلال مبين) (آل عمران:164) ، وسأل عن سر الترتيب فيها ؟
فكان مما استظهرته أن الله تعالى بدأ بالتلاوة (يتلو عليهِم) التي هي القراءة والعمل، فهو قدوة لهم ومبلغ، يتلو بلسانه وبأفعاله المطابقة لأقواله عليه السلام، ومن هنا حرم الدماء والأعراض والأموال تشريعا ووصية، وحفظها سياسة وتنفيذا حتى حقن دماء المنافقين، وعفا عن أسرى المشركين وأطلقهم، ولم يظهر يوما بمظهر المنتقم أو المتشفي أو المنفذ غيظه في عدوه، حتى امتنع عن الدعاء على المشركين لما قيل يا رسول الله ادع على المشْركين! فقال: « إني لم أبعث لعانا وإنما بعثت رحمة». كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة.
بل لما قال له ملك الجبالِ: إن شئت أن أطبق عليهِم الأخشبينِ! قَال صلى الله عليه وسلم: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهِم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا». كما في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها.
وهذا كله من «التلاوة».
ثم ذكر التزكية، وهي أثر عن العلم، وهذا دليل على أن تصحيح المعرفة وتصحيح الفكر وضبط «عادات التفكير» أسبق من تصحيح السلوك، فالتزكية أثر عن المعرفة الصحيحة والفكر السليم فالعقل أولا، والقلب ثانيا، إن صح هذا ؟
وعقب بقوله: (ويعلمهم الكتاب والحكمة) وهذا انتقال من الصلاح إلى الإصلاح.
ففي المقام الأول: تزكية ذاتية للفرد والجماعة.
والتدرج والترقي ينتقل بهم إلى أن يكونوا علماء حكماء قادة مؤثرين ولذا قال: (ويعلمهم الكتاب والحكمة).
ومما ظهر لي في الجمع بين الكتاب والحكمة أن الكتاب يعني الكتابة والقراءة والفهم والتعليم.
وأن الحكمة هي البصيرة والخبرة وخلاصة التجربة الإنسانية ولذا يوصف كبير السن المجرب العاقل الذي يضبط كلامه ويعرف سداد الرأي بأنه «حكيم» .
وعزز هذا المعنى عندي قوله تعالى : (يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا). (مريم:12) ، فأمره بأخذ الكتاب، وهو العلم والوحي والحق والفهم، وجعل أخذه بـ «قوة».
وكثيرون يظنون أن القوة هي العنف والشدة على الآخرين، وارتفاع الصوت والغضب، فهي قوة تمنحهم السلطان على الناس، وليس قوة تقهرهم وتحجزهم وتضبطهم عما لا يجمل ولا يليق.
والدين لم يأت أصلا لتشجيع نزعات التسلط على العباد، بل لضبطها وإلجامها وفي الحديث: «ليس الشديد بِالصرعة، إنما الشديد الذى يملك نفسه عند الغضب » رواه البخاري ومسلم.
فمن القوة القوة على النفس، ومنها الصبر على الأذى واحتماله، والمواصلة ولو كثر المخالف وتمادى، مع مصانعة العدو ومداراته والحرص على نزع فتيل الشر ما أمكن.
وربما كان ما يقع من بعض المتشددين من عدوان لفظي أو عدوان بدني على الأنفس والأعراض والمجتمعات صادرا عندهم وفي ظنهم تحت شعار (خذ الكتاب بقوة). (مريم: من الآية12)، وبعض «القتل الإسلامي» هو واقع تحت هذه الذريعة.
وانظر إلى التعقيب القرآني كيف قال:
(وآتيناه الحكم صبيا). (مريم: من الآية12)، فأعطاه الله تعالى الحكمة وهو صغير.
قال مجاهد: الفهم.
وقال الحسن وعكرمة: اللب.
وقال ابن عباس ،: أعطي الفهم والعبادة وهو ابن سبع سنين.
قال ابن كثير :{ وآتيناه الحكم صبيا } أي: الفهم والعلم والجد والعزم، والإقبال على الخير، والإكباب عليه، والاجتهاد فيه وهو صغير حدث السن.
إن وصف الشباب، ويحيى كان شابا، بالقوة، قد يظن أنه مدعاة للارتجال والطيش، ولذا نفى سبحانه هذا المعنى عن نبيه المصطفى وذكر أنه أعطاه الحكمة في صباه.
إن القوة المذكورة أولا مظنة مخالفة الحكمة فقرنها بها، كما قرن العلم بالرحمة في شأن الخضر (آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما). (الكهف: من الآية65)، وإن الحكمة عادة لا تكون إلا لمن عركته الأحداث وحنكته التجارب، ولذا قيل: «لا حكيم إلا ذو تجربة».
ألم تر أن العقل زين لأهله وأن كمال العقل طول التجارب.
وقال عنترة:
حنكتني نوائب الدهر حتى أوقفتني على طريقِ الرشاد.
فذكر الله تعالى عن يحيى أن الحكمة أعطيت له منحة إلهية في صباه بخلاف جاري العادة.
والعجب أن الله تعالى أثنى عليه بـ «الحنان».
والحنان كما قال ابن عباس وقتادة والحسن والضحاك: هو الرحمة.
وقال مجاهد: هو التعطف. وقال عكرمة: المحبة.
وقيل: آتيناه تحننا على العباد.
ويحتمل: أن يكون معناه رفقا ليستعطف به القلوب وتسرع إليه الإِجابة.
وهذا تأكيد أن القوة هي قوة النفس، وقوة القلب وقوة العلم والمعرفة، وقوة الأخلاق، وقوة المراقبة، وأن من القوة الصبر ومجاهدة النفس، واستيعاب الآخرين وانفساح الصدر لهم، وإلجام دواعي الغضب والانتقام والانتصار والأنانية.
وعقب بنفي الجبروت (ولم يكن جبارا عصيا). (مريم: من الآية14)، ولذا قال جمع من المفسرين: لم يكن متجبرا متكبرا عن عبادة الله، ولا مترفعا على عباد الله، ولا على والديه، بل كان متواضعا، متذللا مطيعا، أوابا لله على الدوام، فجمع بين القيام بحق الله، وحق خلقه، ولهذا حصلت له السلامة من الله، في جميع أحواله، مبادئها وعواقبها.
فهذه أخلاق الأنبياء، التي نشؤوا عليها صغارا وأحكموها شبابا وانطبعت بها نفوسهم كهولا واستعذبوها شيوخا، جعلنا الله من حزبهم وأتباعهم وأعاننا على معرفة عيوب نفوسنا ومواطن ضعفها، ونختم بما دعا به رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم: «اللهم آت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها»..

سلمان بن فهد العودة

 

نحن أحق به من المانيا

07 مايو

حلمت البارحة بأن صديق لي قديم أسمه سامي يعيش في إحدى الدول الخليجية، يتحدث عن صديق له أسمه ياسر، يكبره بعام واحد، يقول ولد معي ياسر في نفس المدينة ثم تفرقنا ثم اجتمعنا مرة أخرى في الثانوية العامة حصل هو على امتياز من القسم العلمي، وأنا حصلت على مقبول في القسم الأدبي..

واصلت تعليمي في الجامعة، وبقي ياسر لعامين يبحث عن جامعة تؤويه كان يحب الطب، ولم يجد أمامه سوى الجامعات من خارج البلد..

ثم انقطعت أخباره إلى أن سمعت بحصوله على جائزة رفيعة المستوى من ألمانيا بعد أن اكتشف شيئا له علاقة بالخريطة الوراثية للإنسان وهو يعد اليوم واحدا من كبار علماء الجينات الإنسانية في العالم، تفخر به المانيا وتستضيفه الجامعات والمحافل الدولية لكن..

السؤال الأهم في القصة لماذا لم يتمكن ياسر صديق صديقي سامي من مواصلة تعليمه الجامعي؟

والجواب بكل أريحية وبدون مجاملة لأنه لم يكن مواطناً، رغم أنه ولد ونشأ وشرب ثقافة البلد منذ تفتحت عيناه على الدنيا..

ذلك أن هناك فرقا بين الوطنية والمواطنة، ونحن إذا افترضنا أن كل مواطن هو وطني مخلص، فلست أعتقد أن كل من هو غير مواطن تنقصه الوطنية..

هناك من يعيش هنا منذ أربعة أو خمسة عقود، أي أننا نتحدث عن جيل أو جيلين لا يعرف غير هذه البلد وطنا ولا يحب سواها رغم هذا لا يزال يعامل معاملة الوافدين..

وأقول حسب وجهة نظري القاصرة الانتماء للوطن لا يتحقق بالجنسية فقط، إذ كثيرا ما تحلى الناس بجنسية بلد لا يدينون له بالولاء، والعكس بالعكس عندما نستبعد هذه الفئة من إعطائها هوية وطنية، فنحن نفقد الكثير من العقول والإمكانات..

فبخلاف ياسر، هناك المهندسون والعلماء والرياضيون الذين يحول دون بقائهم في البلد لاستثنائهم من جنسيتها رغم أنهم قضوا حياتهم كلها فيها..

أقول الوطن شاسع فيه الكثير من الخيرات وذلك لمن يعتقد أن البطالة ستزداد أو أن نصيب الفرد سيتضاءل من ثروات البلاد إن وزعت على عدد أكبر مما هو عليه الآن تلك نظرة قاصرة وخاطئة اقتصاديا..

أعرف أن هناك نظام لمن يستحق الجنسية أولا يستحقها، لكن أين هو النظام، فأعتقد أنه يجب إعادة النظر في ذلك النظام كي نستفيد من فئة، بل فئات كثيرة، لا تعرف غير هذا البلد وطنا وانتماء وثقافة طوال حياته…

خاص لموقع بن جبري نت
أ/ صالح الريمي
كاتب اجتماعي سعودي

 

صلة الرحم

30 أبريل

الخطبة الأولى:

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله..

أما بعد..

عباد الله صِلوا ما أمر الله به أن يُوصل من حقوقه وحقوق عباده، فصلوا أرحامكم الذين أمركم الله بوصلهم وهم أقاربكم من جهة آبائكم وأمهاتكم، فإن للأقارب حقوقاً لازمة على عباده المتقين، موجبة لرضا الله رب العالمين، لقد رتب الله – تعالى – على صلة الأرحام أجوراً عظيمة ومكاسب كبيرة في الدنيا والآخرة، فالقيام بحقوق الأقارب من أعظم ما يقربكم إلى الله – تعالى -ويوصلكم إلى رحمته وفضله وواسع منه وكرمه، قال الله – جل وعلا -: “وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ”(1) وقال – جل وعلا -: “وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ”(2) أي اتقوا الأرحام أن تقطعوها، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة قال – صلى الله عليه وسلم -: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه))(3)، وفي الصحيحين عن عائشة – رضي الله عنها – مرفوعاً: ((الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله))(4) أيها المؤمنون إن من منة الله – تعالى -علينا أن جعل صلة الرحم سبباً لطول العمر وكثرة الرزق ففي الصحيحين قال – صلى الله عليه وسلم -: ((من سره أن يبسط له في رزقه وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه))(5) فصلة الرحم يا عباد الله سبب لسعة الرزق، وطول العمر، والمباركة فيه، فبادروا إلى صلة أرحامكم، وصلوهم بكل خير وبر، إن الواصل لرحمه أيها المؤمنون هو الذي يسعى في إيصال كل خير إلى أقاربه، ودفع كل شر عنهم بحسب الطاقة والوسع.

فصلوا أيها المؤمنون أرحامكم وأقاربكم بكل خير بالزيارة والهدية والنفقة والمساعدة، صلوهم بالعطف والحنان ولين الجانب وبشاشة الوجه والإكرام والاحترام، صلوهم ببذل ما لهم في الأموال من الحقوق واحتسبوا الأجر عند الله – تعالى -في ذلك فإن الله لا يضيع عمل العاملين، واعلموا أنه كلما قربت الصلة تأكد الحق وثبت الواجب، وزادت الحقوق والواجبات، ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال رجل: يا رسول الله من أحق الناس بحسن الصحبة؟ قال: ((أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أبوك، ثم أدناك فأدناك))(6) فكلما قربت الصلة تأكد الحق وعظم.

أيها المؤمنون إن صلة الرحم حق ثابت للأقارب ولو بدرت منهم الإساءة وبدت منهم القطيعة، فالواجب على العبد أن يصل رحمه ولو قطعوه، وأن يحسن إليهم ولو آذوه وأساؤوا إليه، ففي الصحيح من حديث عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ((ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل مَن إذا قطعت رحمه وصلها))(7) فليس الذي يبني كمَن شأنه الهدم، وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن رجلاً أتى النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال: يا رسول الله، إن لي قرابةً أصلهم ويقطعونني، وأحسن إليهم ويسييؤن إليّ وأحلم عنهم ويجهلون عليّ، فقال له النبي – صلى الله عليه وسلم -: ((لئن كان كما تقول فكأنما تسفهم المل – أي كأنما تطعمهم الرماد الحار- ولا يزال معك من الله ظهير عليهم – أي معين لك عليهم – ما دمت على ذلك))(8) فأبشر بحسن العاقبة وجميل الخاتمة يا من وصلت من قطعك وأحسنت إلى من أساء إليك ” ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ “(9).

وما أجمل ما فعل الشاعر لما هجره أقاربه وأساؤوا إليه:

رأيت انثلاماً بيننا فرقعته *** برفقي وإحيائي وقد يرقع الثلم

فـداويته حتى ارفأنَّ نفارُه *** فعدنا كأنا لم يكن بيننا جرم

وأطفأ نار الحرب بيني وبينه *** فأصبح بعد الحرب وهو لنا سلم

الخطبة الثانية:

أما بعد..

احذروا أيها المؤمنون من قطيعة الرحم فإنها سبب للعنة الله وسخطه وعقابه قال الله – تعالى -: “فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ”(10) ويقول – جل وعلا -: “وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ”(11).

وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائذ من القطيعة. قال: نعم أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى قال: فذاك لكِ))(12) وعن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ((لا يدخل الجنة قاطع رحم))(13) متفق عليه وهذا كله يبين أن قطيعة الرحم من كبائر الذنوب وعظائم السيئات.

فاتقوا الله عباد الله وصلوا أرحامكم وانظروا في أقاربكم هل قمتم بما أوجب الله عليكم من صلتهم والإحسان إليهم فإن الله – جل وعلا – قد قرن قطيعة الرحم بالإفساد في الأرض.

قال ابن كثير: قد أمر الله – تعالى -بالإصلاح في الأرض وصلة الأرحام وهو الإحسان إلى الأقارب في المقال والفعال وبذل الأموال.

—————————————-

(1) الإسراء: 26.

(2) النساء: 1.

(3) أخرجه البخاري في الأدب (رقم 6138).

(4) أخرجه البخاري في الأدب (رقم 5958) ومسلم في البر والصلة (رقم 2555) واللفظ لمسلم.

(5) أخرجه البخاري في الأدب (رقم 5985) ومسلم في البر والصلة (رقم 2557) من حديث أنس بن مالك – رضي الله عنه -.

(6) أخرجه مسلم في البر والصلة (رقم 2548).

(7) أخرجه البخاري في الأدب (رقم 5991).

(8) أخرجه مسلم في البر والصلة (رقم 2558).

(9) فصلت: 34.

(10) محمد: 22-23.

(11) الرعد: 25.

(12) أخرجه البخاري في الأدب (رقم 5987) ومسلم في البر والصلة (رقم 2554).

(13) أخرجه البخاري في الأدب (رقم 5984) ومسلم في البر والصلة (رقم 2556) واللفظ لمسلم.

 

العقيدة أولاً

30 أبريل

أيها الأخوة :

فإن من أهم القضايا التي تشغل بال أهل العلم ، بل يجب أن تشغل بال كل مسلم ما يتعلق بالعقيدة ، من حيث فهمها ونشرها والعمل بها ، والتأثر بها في الحياة الفردية والاجتماعية ، والحياة العلمية والعملية. فإن العقيدة بلا ثمرة لا تفيد صاحبها، لا في الدنيا ولا في الآخرة .

والعقيدة ليست مجرد علم يحصل فحسب ، ولا أيضا مجرد عمل يظهر فحسب ، بل العقيدة هي الإسلام ، من حيث التعامل ، ومن حيث المواقف ، فهي الدين .

ولقد ضاق في العصر الحديث لدى كثير من المسلمين مفهوم العقيدة ، حتى كاد أن يحصر في جانب معين من جوانب المعرفة.

ولم يكن الخطأ في هذا المفهوم حاصلا من قبل أصحاب الأهواء والبدع فحسب ، بل (مع الأسف) حصل تضييق مفهوم العقيدة حتى عند بعض من ينتسبون إلى السنة ، حتى كادت تنحصر لدى بعض المثقفين والمفكرين وطلاب العلم ، في مجرد العلم والمعرفة ، وعند فريق آخر في مجرد التعامل مع الآخرين ، وهذان مسلكان على طرفي نقيض ، بينما العقيدة نهج كامل ، فهي دين الفطرة ، وهي سبيل المؤمنين ، وهي نهج السلف الصالح .

وحصر العقيدة في الأمور العلمية المعرفية إنما هو منهج منحرف . لم يكن يعرف في تاريخ الإسلام إلا الإسلام من جميع الجوانب، من حيث الاعتقاد ، ومن حيث العلم ، ومن حيث العمل ، والسلوك ، ومن بعد ما ظهرت الفرق الكلامية. وبعد ما ظهرت الأهواء .

وكذلك حصر العقيدة في مجرد التعامل مع الآخرين ، والموقف منهم ، وأسلوب تناول الأحداث والأحكام ، دون التركيز على الجانب العلمي والمعرفي أمر طارئ كذلك لم يحدث إلا عند بعض أهل الأهواء ، كالخوارج ومن سلك سبيلهم.

ولقد أسهمت الاتجاهات الحديثة التي يدفعها الغزو الفكري، كالعلمانية، والشعوبية والقومية أو غيرها ، في حصر العقيدة في زاوية من زوايا الحياة لدى المسلم ، بل في زاوية من زوايا النفس لدى المسلم ، فلذلك لما ظهرت الصحوة المباركة بحمد الله في العقود المتأخرة وبدأت تتحسس أمور الإسلام الحقيقية ، وبدأت تتلمس المسار الصحيح لاستئناف الإسلام – ظهرت أصوات كثيرة (منها ما يحمل شعارات إسلامية) تستنكر أن يكون للعقيدة أثر علمي في حياة الناس ، أو أن تتدخل العقيدة في شؤون الحياة.

ومن ثم نشأت مفاهيم باطلة ومنحرفة وخطيرة ، مثل الفصل بين الشريعة والعقيدة ، أو اعتبار العقيدة شيئاً معرفيا فكرياً ثقافياً لا صلة له بالعمل والتعامل ، أو اعتبار العقيدة مسلكاً شخصياً إنما يسلكه طائفة من البشر ربما يوصفون بضيق الأفق أو بالأصولية أو السلفية أو نحو ذلك.

وهذه الصحوة المباركة التي بحمد الله عمت البلاد الإسلامية ، بل عمت الأرض كلها لم تسلم في بعض شرائحها من التأثر بهذه المفاهيم الخاطئة سلباً أو إيجاباً، إفراطاً أو تفريطاً ، ومع ذلك فإن الصحوة بحمد الله صحوة فيها رشد على وجه العموم ، ويشهد لها العقلاء المنصفون بأنها تتلمس الحق ، وأنها تتحرى النهج السليم ، وأنها تحرص على اقتفاء السنة. فعلى هذا وجب على أهل العلم وطلابه أن ينيروا الطريق لأبناء الصحوة ، وأن يسددوهم ، وأن يبينوا لهم ما قد يقع عند بعضهم من خطأ في المفاهيم أوفي التعامل أو في السلوك. وهذا هو مقتضى النصيحة.

من كتيب وقفات مع عقيدة السلف

 

خطوات نحو الكتابة الراقية

30 أبريل

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وآله، وبعد:

فقد فشا في زماننا القلم، وكثر الكتاب؛ مصداقاً لخبر النبي- صلى الله عليه وسلم -، ونتج عن هذه الكثرة الكاثرة سلبيات جمة منها تكلم الرويبضة في أمر العامة، وانتشار غثاء الكتابة من كتابٍ يريدون العلو والظهور ولو على طريقة الأعرابي الذي لطخ الكعبة- شرفها الله – بالقاذورات قائلاً: “أحببت أن أذكر ولو باللعنة”.

وقد أردت أن أرقم بعض ما يعين الناشئ والشادي على إتقان صناعة الكتابة راجياً من القراء التفاعل الإيجابي، وإبداء ما لديهم من ملحوظات.

خطوات الكتابة الأدبية والفكرية الراقية:

1- إخلاص النية لله – تعالى – ونبل المقصد؛ ذوداً عن الحق، ودحضاً للباطل.

2- الدعاء بالسداد والقبول مع الاستعانة الدائمة بالله، والتوكل عليه في بلوغ الغايات العالية.

3- حدد ما هو الهدف من الكتابة: تعليمي، إخباري، حواري…

4- اختر الطريقة المناسبة لعرض الموضوع: رمزية، مباشرة، مقالة، قصة…

5 ما هي نوعية الكتابة: علمية، أدبية، فكرية، جادة، ساخرة…

6- يطول الموضوع أو يقصر حسب نوعه، وطبيعة المتلقي، والمساحة المتاحة.

7- لا تنشر الكتابة مباشرة؛ فلا بد من تنقيحها وقراءتها في أحوال مختلفة خاصة قبل النوم “لإعمال العقل الباطن “، ثم اعرضها على الثقات للمشورة خصوصاً في بدايات الكتابة، وليتابع الكاتب تصحيحات الناشر ليستفيد منها إن كانت من ثقة معتبر.

8- كتابة التاريخ في نهاية كل موضوع؛ ليتتبع الكاتب مراحل تطوره الكتابي ورقيه الفكري.

وكم من كتابة كنا نراها فريدة عصرها فلما قرأناها بعد مدة عجبنا من سذاجتها.

9- حتى تكتب بتفوق لا بد أن تقرأ بتذوق؛ فلن تكون كاتباً بارعاً حتى تصير قارئاً مميزاً.

واعلم – غير معلم – أن القراءة وظيفة يومية ينبغي إتقانها.

انظر – غير مأمور – (كيف تقرأ كتاباً) للمنجد، (القراءة المثمرة) لبكار، (معالم في طريق الطلب) للسدحان، (المشوق إلى القراءة) للعمران، وغيرها من بابتها كثير.

10- استخدم أفصح لغة دائماً، وابذل وسعك وجهدك في ذلك؛ وقد قيل: ” لم يسمع من الشافعي كلمة وفي العربية أحسن منها في مكانها ” وقريب منه ما حُكي عن المتنبي في بعض شعره.

11- كن حريصاً على تطبيق قواعد النحو، محافظاً على قانون اللغة وسنن اللسان العربي القويم، وحاذر اللحن والهجين والعامية فهي أقبح من الجدري في الوجه الحسن.

وللمزيد انظر (معجم الأخطاء الشائعة) لمحمد العدناني و(أخطاء الكاتب) لأسعد داغر.

12- العناية بالإملاء، وعلامات الترقيم: فهي زينة الكاتب وحلية الكتابة، ولتنظر في ذلك: (قواعد الإملاء والترقيم) لعبد السلام هارون، (علامات الترقيم) لأحمد زكي باشا، (التحرير العربي) للفريح وشوقي.

13- يحسن بالكاتب ألا يتخم مقاله بعلامات الاستفهام، والتعجب، والنقط المتتابعة، والأقواس الفارغة وأمثالها، وإن كان لا بد فلتكن ملح طعام لا طعاماً بلا ملح؛ وسبب النهي عن الإكثار منها كونها كالبهرج الزائف يخدع بها الغر دون الحصيف وتدل – غالباً – على غوغائية الكاتب وخوائه وفراغه، حيث يتقاطع مع الطبل في الانتفاخ الخارجي، والفراغ الداخلي.

14- تزيين الكتابة بالشواهد من القرآن، والسنة، والأقوال الخالدة، والأمثال، والشعر؛ مع ضرورة العناية بصحة النقل وتمييز المنقول.

ويلاحظ أن الأمثال والحكم غدت بياناً غائباً عن الساحة الثقافية خاصة لدى جيل الشباب؛ ولذا أنصح بقراءة هذه الكتب: (معجم الأمثال العربية) د. عفيف عبد الرحمن، (قاموس الأمثال والحكم العالمية) سمير شيخاني، (معجم التراكيب اللفظية) د. أحمد أبو سعد، (معجم الأمثال والتراكيب) د. محمد حسن الشريف، (موسوعة الأمثال العربية) د. إميل يعقوب.

وكذلك الكتب التي اعتنت ببيان كنايات العرب ككتاب (المنتخب من كنايات الأدباء وإشارات البلغاء) للقاضي أبي العباس الجرجاني، وغيرها.

15- احرص على تكوين ثروة لغوية واسعة، وليكن لك نظر دائم وإطلاع مستمر في المعاجم كالقاموس المحيط ” طبعة الرسالة “واللسان ” طبعة دار صادر ” ومعجم المقاييس لابن فارس ” طبعة دار الجيل “وفقه اللغة للثعالبي وإكمال الإعلام لابن مالك ” طبعة جامعة أم القرى ” وجواهر الألفاظ لقدامة بن جعفر والألفاظ الكتابية” للهمداني، وغيرها.

وانظر في مقامات الحريري والسيوطي ففيهما كنز لمن طلبه.

16- كن دقيق الملاحظة بعيد النظر متجاوزاً الحدث إلى ما وراءه، واستفد من الأحداث المألوفة لكتابة غير مألوفة، وانظر مثالاً على ذلك مقالتين بعنوان ” بين خروفين ” و ” بين هرين ” للرافعي في وحي القلم، واستمع إلى خطبة رمضانية عجيبة عبر منبر الحرم عن الشيطان بالصوت الأجش للخطيب الفحل د. سعود الشريم.

17- لا تطرح فكرة إلا بعد وضوحها في ذهنك، وإلمامك بكافة جوانبها مع الإيمان القوي بمضمونها.

18- اهتم بالتجديد والإبداع، ولا تكن كابنة الجبل – الصدى -، وتجنب تكرار الكلمات والجمل والأفكار إلا ما كان لضرورة ملحة؛ لأن التكرار مجلبة للملال.

19- التزم جانب الهدوء، وحسن الأدب، وابتعد عن التشنج والانفعال، وتوقع المعارضة والمخالفة لرأيك، وربما سوء الفهم لمقالك.

20- دع القلم يجري خاطاً مداده على القرطاس، وإياك إياك والتوقف؛ فإن الماء إذا ركد أسن، ولا تستعجل النشر أو تستبطئ الثمرة؛فمن كانت همته عالية فسيبلغ حتماً مكانة عالية.

 

فضل شهر الله المحرم وصيام عاشوراء

26 أبريل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد خاتم الأنبياء وسيد المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:

فإن شهر الله المحرّم شهر عظيم مبارك، وهو أول شهور السنة الهجرية وأحد الأشهر الحُرُم التي قال الله فيها:{إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} [التوبة:36].

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «.. السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ: ثَلاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ» [رواه البخاري 2958] والمحرم سمي بذلك لكونه شهراً محرماً وتأكيداً لتحريمه.

وقوله تعالى: {فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} أي: في هذه الأشهر المحرمة لأنها آكد وأبلغ في الإثم من غيرها.

وعن ابن عباس في قوله تعالى: {فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} في كلهن ثم اختص من ذلك أربعة أشهر فجعلهن حراماً وعظّم حرماتهن، وجعل الذنب فيهن أعظم والعمل الصالح والأجر أعظم. وقال قتادة في قوله: {فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ}: “إن الظّلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئة ووزراً من الظلم فيما سواها. وإن كان الظلم على كل حال عظيماً، ولكن الله يعظّم من أمره ما يشاء، وقال: إن الله اصطفى صفايا من خلقه: اصطفى من الملائكة رسلاً ومن الناس رسلاً، واصطفى من الكلام ذكره، واصطفى من الأرض المساجد، واصطفى من الشهور رمضان والأشهر الحرم، واصطفى من الأيام يوم الجمعة، واصطفى من الليالي ليلة القدر، فعظموا ما عظّم الله، فإنما تُعَظّم الأمور بما عظمها الله به عند أهل الفهم وأهل العقل”. (انتهى ملخّصا من تفسير ابن كثير رحمه الله: تفسير سورة التوبة آية 36).

فضل الإكثار من صيام النافلة في شهر محرّم:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ» [رواه مسلم 1982].

قوله: «شهر الله» إضافة الشّهر إلى الله إضافة تعظيم، قال القاري: الظاهر أن المراد جميع شهر المحرّم.

ولكن قد ثبت أنّ النبي لم يصم شهراً كاملاً قطّ غير رمضان فيُحمل هذا الحديث على الترغيب في الإكثار من الصّيام في شهر محرم لا صومه كله.

وقد ثبت إكثار النبي صلى الله عليه وسلم من الصوم في شعبان، ولعلّ لم يوح إليه بفضل المحرّم إلا في آخر الحياة قبل التمكّن من صومه.. (شرح النووي على صحيح مسلم).

الله يصطفي ما يشاء من الزمان والمكان:

قال العِزُّ بن عبدِالسَّلام رحمه الله: وتفضيل الأماكن والأزمان ضربان: أحدهما: دُنيويٌّ.. والضرب الثاني: تفضيل ديني راجعٌ إلى الله يجود على عباده فيها بتفضيل أجر العاملين، كتفضيل صوم سائر الشهور، وكذلك يوم عاشوراء.. ففضلها راجعٌ إلى جود الله وإحسانه إلى عباده فيها.. (قواعد الأحكام 38/1).

عاشوراء في التاريخ:

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء فقال: «مَا هَذَا قَالُوا هَذَا يَوْمٌ صَالِحٌ، هَذَا يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ فَصَامَهُ مُوسَى، قال: فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ» [رواه البخاري 1865].

قوله: «هَذَا يَوْمٌ صَالِحٌ» في رواية مسلم: «هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه وغرّق فرعون وقومه».قوله: «فصامه موسى»زاد مسلم في روايته: «شكراً لله تعالى فنحن نصومه»وفي رواية للبخاري: «ونحن نصومه تعظيماً له». ورواه الإمام أحمد بزيادة: «وهو اليوم الذي استوت فيه السفينة على الجودي فصامه نوح شكراً».

قوله: «وأمر بصيامه» وفي رواية للبخاري أيضا: «فقال لأصحابه: أنتم أحق بموسى منهم فصوموا».

وصيام عاشوراء كان معروفاً حتى على أيّام الجاهلية قبل البعثة النبويّة، فقد ثبت عن عائشة رضي الله عنها قالت: «إن أهل الجاهلية كانوا يصومونه».. قال القرطبي: “لعل قريشاً كانوا يستندون في صومه إلى شرع من مضى كإبراهيم عليه السّلام. وقد ثبت أيضا أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يصومه بمكة قبل أن يهاجر إلى المدينة، فلما هاجر إلى المدينة وجد اليهود يحتفلون به فسألهم عن السبب فأجابوه كما تقدّم في الحديث، وأمر بمخالفتهم في اتّخاذه عيدا كما جاء في حديث أبي موسى قال: «كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ تَعُدُّهُ الْيَهُودُ عِيدًا» وفي رواية مسلم: «كان يوم عاشوراء تعظمه اليهود تتخذه عيدا» وفي رواية له أيضا: «كان أهل خيبر (اليهود) يتخذونه عيدا، ويلبسون نساءهم فيه حليهم وشارتهم». ققال النبي صلى الله عليه وسلم: «فَصُومُوهُ أَنْتُمْ» [رواه البخاري].
وظاهر هذا أن الباعث على الأمر بصومه محبة مخالفة اليهود حتى يصام ما يفطرون فيه، لأن يوم العيد لا يصام”. (انتهى ملخّصا من كلام الحافظ ابن حجر رحمه الله في فتح الباري شرح صحيح البخاري).

فضل صيام عاشوراء:

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَحَرَّى صِيَامَ يَوْمٍ فَضَّلَهُ عَلَى غَيْرِهِ إِلّا هَذَا الْيَوْمَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَهَذَا الشَّهْرَ يَعْنِي شَهْرَ رَمَضَانَ» [رواه البخاري 1867] ومعنى “يتحرى” أي يقصد صومه لتحصيل ثوابه والرغبة فيه.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «صيام يوم عاشوراء، إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله» [رواه مسلم 1976] وهذا من فضل الله علينا أن أعطانا بصيام يوم واحد تكفير ذنوب سنة كاملة، والله ذو الفضل العظيم.

أي يوم هو عاشوراء:

قال النووي رحمه الله: “عاشوراءُ وتاسوعاءُ اسمان ممدودان، هذا هو المشهور في كتب اللغة. قال أصحابنا: عاشوراء هو اليوم العاشر من المحرَّم، وتاسوعاء هو اليوم التّاسع منه.. وبه قال جُمْهُورُ العلماء.. وهو ظاهر الأحاديث ومقتضى إطلاق اللفظ، وهو المعروف عند أهل اللغة”. (المجموع).

“وهو اسم إسلامي لا يعرف في الجاهلية”. (كشاف القناع ج2 صوم المحرم).

وقال ابن قدامة رحمه الله: عاشوراء هو اليوم العاشر من المحرم. وهذا قول سعيد بن المسيب والحسن، لما روى ابنُ عبّاس، قال: «أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصوم يوم عاشوراء العاشر من المحرم» [رواه الترمذي. وقال: حديث حسن صحيح].

استحباب صيام تاسوعاء مع عاشوراء:

روى عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال: «حِينَ صَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ يَوْمٌ تُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ صُمْنَا الْيَوْمَ التَّاسِعَ”. قَالَ فَلَمْ يَأْتِ الْعَامُ الْمُقْبِلُ حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» [رواه مسلم 1916].

قال الشافعي وأصحابه وأحمد وإسحاق وآخرون: “يستحب صوم التاسع والعاشر جميعاً; لأن النبي صلى الله عليه وسلم صام العاشر، ونوى صيام التاسع”.

وعلى هذا فصيام عاشوراء على مراتب: أدناها أن يصام وحده، وفوقه أن يصام التاسع معه، وكلّما كثر الصيام في محرّم كان أفضل وأطيب.

الحكمة من استحباب صيام تاسوعاء:

قال النووي رحمه الله: “ذكر العلماء من أصحابنا وغيرهم في حكمة استحباب صوم تاسوعاء أوجهاً:

أَحَدُهَا: أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ مُخَالَفَةُ الْيَهُودِ فِي اقْتِصَارِهِمْ عَلَى الْعَاشِرِ.

الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ وَصْلُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ بِصَوْمٍ، كَمَا نَهَى أَنْ يُصَامَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَحْدَهُ، ذَكَرَهُمَا الْخَطَّابِيُّ وَآخَرُونَ.

الثَّالِثَ: الاحْتِيَاطُ فِي صَوْمِ الْعَاشِرِ خَشْيَةَ نَقْصِ الْهِلالِ، وَوُقُوعِ غَلَطٍ، فَيَكُونُ التَّاسِعُ فِي الْعَدَدِ هُوَ الْعَاشِرُ فِي نَفْسِ الأَمْرِ”. انتهى.

وأقوى هذه الأوجه هو مخالفة أهل الكتاب، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “نَهَى صلى الله عليه وسلم عَنْ التَّشَبُّهِ بِأَهْلِ الْكِتَابِ فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ مِثْلُ قَوْلِهِ في عَاشُورَاءَ: «لَئِنْ عِشْتُ إلَى قَابِلٍ لاَصُومَنَّ التَّاسِعَ»”. (الفتاوى الكبرى ج6 سد الذرائع المفضية إلى المحارم).

وقال ابن حجر رحمه الله في تعليقه على حديث: «لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع» ما همّ به من صوم التاسع يُحتمل معناه أن لا يقتصر عليه بل يُضيفه إلى اليوم العاشر إما احتياطاً له وإما مخالفة لليهود والنصارى وهو الأرجح وبه يُشعر بعض روايات مسلم”.

حكم إفراد عاشوراء بالصيام:

قال شيخ الإسلام: “صِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ كَفَّارَةُ سَنَةٍ وَلا يُكْرَهُ إفْرَادُهُ بِالصَّوْمِ.”. (الفتاوى الكبرى ج5). وفي تحفة المحتاج لابن حجر الهيتمي: “وعاشوراء لا بأس بإفراده..” (ج3 باب صوم التطوع).

يُصام عاشوراء ولو كان يوم سبت أو جمعة:

ورد النهي عن إفراد الجمعة بالصوم، والنهي عن صوم يوم السبت إلا في فريضة ولكن تزول الكراهة إذا صامهما بضمّّ يوم أو إذا وافق عادة مشروعة كصوم يوم وإفطار يوم أو نذراً أو قضاءً أو صوماً طلبه الشارع كعرفة وعاشوراء.. (تحفة المحتاج ج3 باب صوم التطوع، مشكل الآثار ج2: باب صوم يوم السبت).

وقال البهوتي رحمه الله: “وَيُكْرَهُ تَعَمُّدُ إفْرَادِ يَوْمِ السَّبْتِ بِصَوْمٍ لِحَدِيثِ عَبْدِاللَّهِ بْنِ بِشْرٍ عَنْ أُخْتِهِ: «لا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إلّا فِيمَا اُفْتُرِضَ عَلَيْكُمْ» [رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ: عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ] وَلأَنَّهُ يَوْمٌ تُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ فَفِي إفْرَادِهِ تَشَبُّهٌ بِهِمْ.. (إلا أَنْ يُوَافِقَ) يَوْمُ الْجُمُعَةِ أَوْ السَّبْتِ (عَادَةً) كَأَنْ وَافَقَ يَوْمَ عَرَفَةَ أَوْ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَكَانَ عَادَتَهُ صَوْمُهُمَا فَلا كَرَاهَةَ; لأَنَّ الْعَادَةَ لَهَا تَأْثِيرٌ فِي ذَلِكَ”. (كشاف القناع ج2: باب صوم التطوع).

ما العمل إذا اشتبه أول الشهر؟

قَالَ أَحْمَدُ: “فَإِنْ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ أَوَّلُ الشَّهْرِ صَامَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ. وَإِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ لِيَتَيَقَّنَ صَوْمَ التَّاسِعِ وَالْعَاشِرِ”. (المغني لابن قدامة ج3 الصيام – صيام عاشوراء).

فمن لم يعرف دخول هلال محرّم وأراد الاحتياط للعاشر بنى على إكمال ذي الحجة ثلاثين كما هي القاعدة ثم صام التاسع والعاشر، ومن أراد الاحتياط للتاسع أيضاً صام الثامن والتاسع والعاشر (فلو كان ذو الحجة ناقصاً يكون قد أصاب تاسوعاء وعاشوراء يقيناً). وحيث أنّ صيام عاشوراء مستحبّ ليس بواجب فلا يُؤمر النّاس بتحرّي هلال شهر محرم كما يؤمرون بتحرّي هلال رمضان وشوال.

صيام عاشوراء ماذا يكفّر؟

قال الإمام النووي رحمه الله: “يُكَفِّرُ كُلَّ الذُّنُوبِ الصَّغَائِرِ، وَتَقْدِيرُهُ يَغْفِرُ ذُنُوبَهُ كُلَّهَا إلا الْكَبَائِرَ. ثم قال رحمه الله: صَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ كَفَّارَةُ سَنَتَيْنِ، وَيَوْمُ عَاشُورَاءَ كَفَّارَةُ سَنَةٍ، وَإِذَا وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ… كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ صَالِحٌ لِلتَّكْفِيرِ، فَإِنْ وَجَدَ مَا يُكَفِّرُهُ مِنْ الصَّغَائِرِ كَفَّرَهُ، وَإِنْ لَمْ يُصَادِفْ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً كُتِبَتْ بِهِ حَسَنَاتٌ، وَرُفِعَتْ لَهُ بِهِ دَرَجَاتٌ وَإِنْ صَادَفَ كَبِيرَةً أَوْ كَبَائِرَ وَلَمْ يُصَادِفْ صَغَائِرَ، رَجَوْنَا أَنْ تُخَفِّفَ مِنْ الْكَبَائِرِ”. (المجموع شرح المهذب ج6 صوم يوم عرفة).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “وَتَكْفِيرُ الطَّهَارَةِ، وَالصَّلَاةِ، وَصِيَامِ رَمَضَانَ، وَعَرَفَةَ، وَعَاشُورَاءَ لِلصَّغَائِرِ فَقَطْ”. (الفتاوى الكبرى ج5).

عدم الاغترار بثواب الصيام:

يَغْتَرُّ بَعْضُ الْمَغْرُورِينَ بِالاعْتِمَادِ عَلَى مِثْلِ صَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ أَوْ يَوْمِ عَرَفَةَ، حَتَّى يَقُولَ بَعْضُهُمْ: صَوْمُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ يُكَفِّرُ ذُنُوبَ الْعَامِ كُلِّهَا، وَيَبْقَى صَوْمُ عَرَفَةَ زِيَادَةٌ فِي الأَجْرِ. قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: “لَمْ يَدْرِ هَذَا الْمُغْتَرُّ أَنَّ صَوْمَ رَمَضَانَ وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ أَعْظَمُ وَأَجَلُّ مِنْ صِيَامِ يَوْمِ عَرَفَةَ وَيَوْمِ عَاشُورَاءَ، وَهِيَ إنَّمَا تُكَفِّرُ مَا بَيْنَهُمَا إذَا اُجْتُنِبَتْ الْكَبَائِرُ، فَرَمَضَانُ إلَى رَمَضَانَ، وَالْجُمُعَةُ إلَى الْجُمُعَةِ لا يَقْوَيَانِ عَلَى تَكْفِيرِ الصَّغَائِرِ إلَّا مَعَ انْضِمَامِ تَرْكِ الْكَبَائِرِ إلَيْهَا، فَيَقْوَى مَجْمُوعُ الأَمْرَيْنِ عَلَى تَكْفِيرِ الصَّغَائِرِ. وَمِنْ الْمَغْرُورِينَ مَنْ يَظُنُّ أَنَّ طَاعَاتِهِ أَكْثَرُ مِنْ مَعَاصِيهِ، لاَنَّهُ لا يُحَاسِبُ نَفْسَهُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ، وَلا يَتَفَقَّدُ ذُنُوبَهُ، وَإِذَا عَمِلَ طَاعَةً حَفِظَهَا وَاعْتَدَّ بِهَا، كَاَلَّذِي يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ بِلِسَانِهِ أَوْ يُسَبِّحُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ، ثُمّ يَغْتَابُ الْمُسْلِمِينَ وَيُمَزِّقُ أَعْرَاضَهُمْ، وَيَتَكَلَّمُ بِمَا لا يَرْضَاهُ اللَّهُ طُولَ نَهَارِهِ، فَهَذَا أَبَدًا يَتَأَمَّلُ فِي فَضَائِلِ التَّسْبِيحَاتِ وَالتَّهْلِيلاتِ وَلا يَلْتَفِتُ إلَى مَا وَرَدَ مِنْ عُقُوبَةِ الْمُغْتَابِينَ وَالْكَذَّابِينَ وَالنَّمَّامِينَ، إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ آفَاتِ اللِّسَانِ، وَذَلِكَ مَحْضُ غُرُورٍ”. (الموسوعة الفقهية ج31: غرور).

صيام عاشوراء وعليه قضاء من رمضان:

اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ التَّطَوُّعِ بِالصَّوْمِ قَبْلَ قَضَاءِ رَمَضَانَ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إلَى جَوَازِ التَّطَوُّعِ بِالصَّوْمِ قَبْلَ قَضَاءِ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، لِكَوْنِ الْقَضَاءِ لا يَجِبُ عَلَى الْفَوْرِ، وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إلَى الْجَوَازِ مَعَ الْكَرَاهَةِ، لِمَا يَلْزَمُ مِنْ تَأْخِيرِ الْوَاجِبِ، قَالَ الدُّسُوقِيُّ: يُكْرَهُ التَّطَوُّعُ بِالصَّوْمِ لِمَنْ عَلَيْهِ صَوْمٌ وَاجِبٌ، كَالْمَنْذُورِ وَالْقَضَاءِ وَالْكَفَّارَةِ، سَوَاءٌ كَانَ صَوْمُ التَّطَوُّعِ الَّذِي قَدَّمَهُ عَلَى الصَّوْمِ الْوَاجِبِ غَيْرَ مُؤَكَّدٍ أَوْ كَانَ مُؤَكَّدًا كَعَاشُورَاءَ وَتَاسِعِ ذِي الْحِجَّةِ عَلَى الرَّاجِحِ، وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إلَى حُرْمَةِ التَّطَوُّعِ بِالصَّوْمِ قَبْلَ قَضَاءِ رَمَضَانَ، وَعَدَمِ صِحَّةِ التَّطَوُّعِ حِينَئِذٍ وَلَوْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ لِلْقَضَاءِ، وَلا بُدَّ مِنْ أَنْ يَبْدَأَ بِالْفَرْضِ حَتَّى يُقْضِيَهُ. (الموسوعة الفقهية ج28: صوم التطوع).

فعلى المسلم أن يبادر إلى القضاء بعد رمضان ليتمكن من صيام عرفة وعاشوراء دون حرج، ولو صام عرفة وعاشوراء بنيّة القضاء من الليل أجزَأه ذلك في قضاء الفريضة، وفضل الله عظيم.

بدع عاشوراء:

سُئِلَ شَيْخُ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عَمَّا يَفْعَلُهُ النَّاسُ فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ مِنْ الْكُحْلِ، وَالاغْتِسَالِ، وَالْحِنَّاءِ وَالْمُصَافَحَةِ، وَطَبْخِ الْحُبُوبِ وَإِظْهَارِ السُّرُورِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.. هَلْ لِذَلِكَ أَصْلٌ؟ أَمْ لا؟

الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَمْ يَرِدْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَلا عَنْ أَصْحَابِهِ، وَلا اسْتَحَبَّ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ لا الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ وَلا غَيْرِهِمْ، وَلا رَوَى أَهْلُ الْكُتُبِ الْمُعْتَمَدَةِ فِي ذَلِكَ شَيْئًا، لا عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَلا الصَّحَابَةِ، وَلا التَّابِعِينَ، لا صَحِيحًا وَلا ضَعِيفًا، وَلَكِنْ رَوَى بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي ذَلِكَ أَحَادِيثَ مِثْلَ مَا رَوَوْا أَنَّ مَنْ اكْتَحَلَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ لَمْ يَرْمَدْ مِنْ ذَلِكَ الْعَامِ، وَمَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ لَمْ يَمْرَضْ ذَلِكَ الْعَامِ، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ.. وَرَوَوْا فِي حَدِيثٍ مَوْضُوعٍ مَكْذُوبٍ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «أَنَّهُ مَنْ وَسَّعَ عَلَى أَهْلِهِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ سَائِرَ السَّنَةِ». وَرِوَايَةُ هَذَا كُلِّهِ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم كَذِبٌ.

ثم ذكر رحمه الله ملخصا لما مرّ بأول هذه الأمة من الفتن والأحداث ومقتل الحسين رضي الله عنه وماذا فعلت الطوائف بسبب ذلك فقال:
“فَصَارَتْ طَائِفَةٌ جَاهِلَةٌ ظَالِمَةٌ: إمَّا مُلْحِدَةٌ مُنَافِقَةٌ، وَإِمَّا ضَالَّةٌ غَاوِيَةٌ، تُظْهِرُ مُوَالاتَهُ وَمُوَالاةَ أَهْلِ بَيْتِهِ، تَتَّخِذُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ يَوْمَ مَأْتَمٍ وَحُزْنٍ وَنِيَاحَةٍ، وَتُظْهِرُ فِيهِ شِعَارَ الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ لَطْمِ الْخُدُودِ، وَشَقِّ الْجُيُوبِ، وَالتَّعَزِّي بِعَزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ.. وَإِنْشَادِ قَصَائِدِ الْحُزْنِ، وَرِوَايَةِ الأَخْبَارِ الَّتِي فِيهَا كَذِبٌ كَثِيرٌ وَالصِّدْقُ فِيهَا لَيْسَ فِيهِ إلَّا تَجْدِيدُ الْحُزْنِ، وَالتَّعَصُّبُ، وَإِثَارَةُ الشَّحْنَاءِ وَالْحَرْبِ، وَإِلْقَاءُ الْفِتَنِ بَيْنَ أَهْلِ الإسلام، وَالتَّوَسُّلُ بِذَلِكَ إلَى سَبِّ السَّابِقِينَ الأَوَّلِينَ.. وَشَرُّ هَؤُلاءِ وَضَرَرُهُمْ عَلَى أَهْلِ الإسلام لا يُحْصِيهِ الرَّجُلُ الْفَصِيحُ فِي الْكَلامِ. فَعَارَضَ هَؤُلاءِ قَوْمٌ إمَّا مِنْ النَّوَاصِبِ الْمُتَعَصِّبِينَ عَلَى الْحُسَيْنِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ، وَإِمَّا مِنْ الْجُهَّالِ الَّذِينَ قَابَلُوا الْفَاسِدَ بِالْفَاسِدِ، وَالْكَذِبَ بِالْكَذِبِ، وَالشَّرَّ بِالشَّرِّ، وَالْبِدْعَةَ بِالْبِدْعَةِ، فَوَضَعُوا الأثَارَ فِي شَعَائِرِ الْفَرَحِ وَالسُّرُورِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ كَالاكْتِحَالِ وَالاخْتِضَابِ، وَتَوْسِيعِ النَّفَقَاتِ عَلَى الْعِيَالِ، وَطَبْخِ الأَطْعِمَةِ الْخَارِجَةِ عَنْ الْعَادَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُفْعَلُ فِي الأَعْيَادِ وَالْمَوَاسِمِ، فَصَارَ هَؤُلاءِ يَتَّخِذُونَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ مَوْسِمًا كَمَوَاسِمِ الأَعْيَادِ وَالأَفْرَاحِ، وَأُولَئِكَ يَتَّخِذُونَهُ مَأْتَمًا يُقِيمُونَ فِيهِ الأَحْزَانَ وَالأَتْرَاحَ، وَكِلا الطَّائِفَتَيْنِ مُخْطِئَةٌ خَارِجَةٌ عَنْ السُّنَّةِ..” (الفتاوى الكبرى لابن تيمية).

وذكر ابن الحاج رحمه الله من بدع عاشوراء تعمد إخراج الزكاة فيه تأخيراً أو تقديماً، وتخصيصه بذبح الدجاج واستعمال الحنّاء للنساء. (المدخل ج1 يوم عاشوراء).

نسأل الله أن يجعلنا من أهل سنة نبيه الكريم، وأن يحيينا على الإسلام ويميتنا على الإيمان، وأن يوفقنا لما يحب ويرضى. ونسأله أن يُعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يتقبل منا ويجعلنا من المتقين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

محمد بن صالح المنجد

 

الأخطاء الطبية عالميا

25 أبريل

تعتبر الأخطاء الطبية مشكلة عالمية تعانيها دول العالم بما فيها المتقدمة، ويقدر عدد الأخطاء الطبية في أمريكا بـ 250 ألف حالة في السنة بنسبة 0,77% من عدد سكانها يموت منها 80 ألف حالة بنسبة 35% من الأخطاء، وفي ألمانيا بنحو 140 ألف حالة في السنة بنسبة 0,48 % ، أما في أستراليا فبلغ عدد الأخطاء الطبية نحو 45 ألف حالة بنسبة 0,21% ، وفي فرنسا تحدث سنويا 180 ألف حالة بنسبة 0,27 % ، وفي بريطانيا بلغ عدد الأخطاء الطبية 126 ألف حالة بنسبة0,71% توفي منهم 40 ألف شخص بنسبة 31% .
المعرفة القانونية للحقوق المدنية تساعد في سير الدعوى القضائية بشكل مرض لطرفي نزاع الدعاوى الطبية، وما نراه في مجتمعنا من التكرار الفاحش للأخطاء الطبية يحتم علينا طرح المشكلة واقتراح أفضل الحلول والاستفادة من الخبرات المختلفة الداخلية منها والخارجية للوصول إلى أفضل النتائج لتوفير الوقت والمال وحماية حياة الفرد.
ووفقا لما صرح به وكيل وزارة الصحة للتخطيط والتطوير الدكتور محمد حمزة خشيم خلال الندوة المشتركة بين كل من وزارة الصحة والعدل والثقافة والإعلام، أن مجموع الأخطاء الطبية لدينا بلغ 670 حالة عام 1430هـ ، بنسبة 0,003% من سكان المملكة مما يعني أن نسبة الأخطاء الطبية عندنا أقل بثلاثين مرة من الدول الغربية بما فيها أمريكا، بمعنى أننا أرقى طبيا بثلاثين مرة من ألمانيا وبريطانيا وأمريكا وعامة أروبا وفقا للأرقام التي صرح بها وكيل وزارة الصحة الدكتور محمد خشيم ونشرت عبر صحفنا الإعلامية فهل هذا يعقل؟.
لماذا لا نعمل بمصداقية وشفافية ونقتدي بما رأيناه في الآونة الأخيرة في قانون الإصلاح الطبي في الولايات المتحدة الأمريكية في القطاعات الصحية الذي يعتبر مثالاً لكثير من الدول الصناعية.
من المعلوم أن حجر الزاوية لحل أية مشكلة هو طرحها بشكل علمي مدروس وشفاف وواقعي، وما صدر من نظام مزاولة المهن الصحية قبل خمس سنوات بناء على قرار مجلس الوزراء برقم 276 في 3/11/1426هـ يعتبر مثالاً حياً للتوجه الواضح لعلاج هذه المشكلة ولكن أين تنفيذه عمليا؟.
إن المشادات في مسائل النزاعات الطبية بين الجهات القانونية والصحية تصب في مصلحة أطراف تلك النزاعات (المريض، والطبيب والمستشفيات). إن القضايا التي طرحت في الماضي وأيضاً التي نراها الآن في مسائل الأخطاء الطبية تعكس مدى حجم المشكلة، غير أن التعويضات المتدنية التي يُلزم بها مقدمو الخدمات الطبية الناتجة من المسؤولية التقصيرية تحد بدورها من الاستمرار في سير الدعاوى القضائية، والهيئة الطبية الشرعية كإحدى اللجان الإدارية التي لها اختصاص قضائي تعتبر الجهة المعنية بفض المنازعات الطبية، وتعتمد على معايير معينة في تحديد التعويضات الطبية، ولكن علينا التماشي بشكل واقعي وصريح مع حجم المشكلة وأيضاً تحديد التعويضات بحسب ظروف القضية وطرفي النزاع فيها.
إن الهدف الرئيسي الذي يسعى إليه أطراف الدعوى القضائية بشكل عام أو الدعوى في القضايا الطبية هو الوصول إلى تعويض مجزٍ يتناسب وحجم الضرر الواقع على المدعي، والضرر هو أساس المسؤولية المدنية التي لا تقوم من دونه حتى وإن وُجد خطأ، وبه تتميز المسؤولية المدنية عن المسؤولية الجنائية التي تقوم بمجرد ارتكاب الجرم حتى لو لم يترتب عليه ضرر بالغير. والله أعلم.

د. عبدالعزيز معتوق حسنين

 

الإسلام وصناعة الحياة بالأخلاق

16 أبريل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
وبعد:

-الإسلام دين يجمع بين الحضارة والتاريخ , وبين الروح والمادة , وبين الأصالة والمعاصرة , وبين الحاضر والماضي.

- يعلمنا الإسلام صنع الحضارة , وتشييد المجد , وإيجاد النهضة.

- تصنع النهضة والحضارة بجد في العمل , واجتهاد في الرأي, وتعامل خلاق بناء, وكلها قد أتى بها الإسلام لتترافق سويا في مسيرة صنع الحضارة.

-علمنا الإسلام سلامة الصدور من الأحقاد والضغائن
يقول الرسول صلى الله وعليه وسلم :” لا يبلغنى أحد من أصحابى عن أحد شيئا ، فإنى أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر ” أخرجه أبو داود.

- وعلمنا الأخوة والحب والتعاون لا التباغض والتقاطع
يقول صلى الله وعليه وسلم :
” مثل المؤمنين فى توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضو منه تداعى سائره بالسهر والحمى ” أخرجه البخارى ومسلم

- وعلمنا حفظ اللسان عن كل شىء
يقول صلى الله وعليه وسلم :” ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذىء ” أخرجه الترمذى .

-علمنا الحوار الودود المثمر .. لأن رأى أكثر من عقل يفكر سيكون ولا شك أقوى وأفضل وأنسب من رأى عقل واحد يقول تعالى :” وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ”

-علمنا ترك الجدال .. وهو الاقتناع بالرأى الأنسب ثم محاولة الإتيان باعتراضات عليه من أجل عدم الظهور أمام الآخرين ( أو حتى أمام النفس ) بالإنهزام .. ولقد نبهنا الإسلام أن الجدال خلق سىء علينا اجتنابه لأنه يضيع الجهود والأوقات ويوغر الصدور ويباعد بين الناس ويضعف الجميع ويؤخرهم ويتعسهم
يقول صلى الله وعليه وسلم :” أنا زعيم بيت فى ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا ، وبيت فى وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحا ، وبيت فى أعلى الجنة لمن حسن خلقه ” أخرجه أبو داود

-علمنا أن يستر بعضنا عيوب بعض ولا يفضحها كما يقول صلى الله وعليه وسلم :
” .. من ستر مسلما ستره الله فى الدنيا والآخرة ..” أخرجه مسلم
وأن نجتهد فى إصلاحها كما يقول صلى الله وعليه وسلم :” الدين النصيحة ” فقالوا : لمن ؟ قال :” لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ” أخرجه مسلم
( لله ولكتابه ولرسوله : أى العمل بما طلبوه لمصلحتنا وهو الإسلام )

-علمنا أن نتجمع ولا نتفرق كما يقول تعالى :” واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا “،
وألا نتنازع لأنه سبب الفشل والضعف والتعاسة
كما يقول سبحانه”وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ”

-علمنا أن ننشغل بمعالى الامور لا صغائرها كما يقول تعالى :” قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى ” فنهتم بالدنيا على أكمل وجه ولكن لا ننسى أن نربط أعمالنا فيها بالآخرة الأعظم والأدوم والأسعد.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “إن الله يحب معالى الأمور ويكره سفسافها ”
فلنجتهد فى أن يكمل بعضنا بعضا لا أن ينقصه ، وان نتناصح ولا نتفاضح ، وأن ننشغل بالأهم عن الأقل أهمية ..
وبنهضة الأمة من غفلتها ونوقظ الهمم ونحفزها :
بتربية المسلمين على حب إسلامهم بدعوتهم إليه بالحكمة والموعظة الحسنة .. وعونهم على التخصص فى مجالات الحياة المختلفة حتى يأتى اليوم الذى ندير فيه شئون كل مؤسسات بلداننا بأخلاق وقوانين الإسلام التى تربينا عليها سابقا ، فنصنع بذلك لأمتنا الحضارة , ونعيد لها مجدها..
ونسأل الله التوفيق والثبات حتى نتمكن من نشر خير وعدل ورحمة الإسلام بالحسنى للعالم كله ليسعد به ويعم الخير ونحمل السعادة للبشرية كلها.
وبهذا نشترك جميعا فى الثواب العظيم .. ثواب الدعاة كما يقول الرسول صلى الله وعليه وسلم :” من دل على خير فله مثل أجر فاعله ” أخرجه مسلم
وثواب المجاهدين الذين يبذلون كل أنواع الجهود المالية والفكرية والبدنية وغيرها فى سبيل ذلك كما يقول تعالى :” وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ” ..
وثواب الصابرين كما يقول تعالى :” إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ ”
ويقول “وَبَشِّرِ الصَّابرِينَ ”
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يؤلف بين قلوبنا وأن يوحد كلمتنا ويديم علينا نعمة سلامة الصدر ونقاؤه وأن يرزقنا الإخلاص والثبات .

خاص لموقع بن جبري نت
أ/ إبراهيم الجبلي
امام وخطيب جامع الهدى بقطر